أبي منصور الماتريدي
213
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - لفظيّا ، ويتعين المقصود بالقرائن ، فإذا قالوا : نكح فلان بنت فلان أو أخته ، أرادوا : تزوجها ، وعقد عليها ، وإذا قالوا : نكح امرأته أو زوجته ، لم يريدوا إلا الوطء ؛ لأنه بذكر المرأة أو الزوجة يستغني عن العقد ، ومن هنا نشأ الاختلاف بين الفقهاء : هل النكاح حقيقة في الوطء والعقد ، أو هو حقيقة في أحدهما ، مجاز في الآخر ؟ فذهب جماعة إلى القول بأن لفظ النكاح مشترك بين الوطء والعقد ، فيكون حقيقة فيهما . ودليلهم على هذا أنه شاع الاستعمال في الوطء تارة ، وفي العقد تارة أخرى بدون قرينة ، والأصل في كل ما استعمل في شيء : أن يكون حقيقة فيه ، إما بالوضع الأصلي ، أو بعرف الاستعمال ، فالقول بالمجازية فيهما أو في أحدهما خلاف الأصل . وقد قال بعض الحنابلة : الأشبه بأصلنا أن النكاح حقيقة في الوطء والعقد جميعا ؛ لقولنا بتحريم موطوءة الأب من غير تزويج ؛ لدخولها في قوله تعالى : وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ [ النساء : 22 ] . وذهب الشافعية والمالكية ، وجمهور الفقهاء إلى القول بأن النكاح حقيقة في العقد ، مجاز في الوطء . وذهب الحنفية إلى العكس ، والقول بأن النكاح حقيقة في أحدهما ، مجاز في الآخر أولى من الذهاب إلى الاشتراك اللفظي ؛ وذلك لما هو متقرر في كتب الأصول ، من أنه إذا دار لفظ بين الاشتراك والمجاز ، فالمجاز أولى ؛ لأنه أبلغ وأغلب . والمشترك يخل بالإفهام عند خفاء القرينة عند من لا يجيز حمله على معانيه ، بخلاف المجاز ؛ فإنه عند خفاء القرينة يحمل على الحقيقة ، فكونه حقيقة في أحدهما ، مجازا في الآخر أولى . ثم الظاهر مذهب الجمهور القائل بأن النكاح حقيقة في العقد ، مجاز في الوطء ، وذلك : أولا : لكثرة استعمال لفظ النكاح بإزاء العقد في الكتاب والسنة ، حتى قيل : إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد ، ولا يرد قول الله تعالى : فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [ البقرة : 230 ] ؛ لأن شرط الوطء في التحليل إنما ثبت بالسنة ؛ وذلك للحديث المتفق عليه في قصة امرأة رفاعة لما بت طلاقها ، وتزوجها عبد الرحمن بن الزبير ، فقال لها رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ، لا حتى تذوقي عسيلته ، ويذوق عسيلتك » ؛ فيكون معنى قوله تعالى : « حَتَّى تَنْكِحَ » : حتى تتزوج ، ويعقد عليها ، وقد بينت السنة أنه لا بد مع العقد ذوق العسيلة . وثانيا : أنه يصح نفي النكاح عن الوطء ، فيقال : هذا الوطء ليس نكاحا ، ولو كان النكاح حقيقة في الوطء ، لما صح نفيه عنه . وتظهر ثمرة الخلاف بين الحنفية والجمهور في حرمة موطوءة الأب من الزنى ، فلما كان النكاح عند الحنفية حقيقة في الوطء الشامل للوطء الحلال والحرام ، قالوا بحرمة موطوءة الأب من الزنى ، ولما كان عند الجمهور حقيقة في العقد قالوا : لا تحرم موطوءة الأب من الزنى . وقد عرفه الشافعية بقولهم : عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ الإنكاح والتزويج ، وما اشتق منهما . فقولهم : « عقد » جنس في التعريف ، وقولهم : « يتضمن إباحة وطء » خرج به ما لا يتضمن إباحة الوطء كالإجارة وغيرها ، وقولهم : « بلفظ الإنكاح والتزويج » خرج به ما لم يكن بهذا اللفظ كالهبة والتمليك . وعرفه العلامة الدردير - رحمه الله - في « أقرب المسالك » فقال : هو عقد لحل تمتع بأنثى غير محرم ومجوسية وأمة كتابية بصيغة . وعرفه الحنفية بأنه : عقد يفيد ملك المتعة قصدا . وعرفه الحنابلة بأنه : عقد التزويج ؛ فهو حقيقة في العقد ، مجاز في الوطء على الصحيح . -